أبي حيان الأندلسي
214
البحر المحيط في التفسير
فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ تقدم الكلام على ، الآن ، في قوله : قالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ « 1 » أي : فهذا الزمان ، أي : ليلة الصيام باشروهن ، وهذا أمر يراد به الإباحة لكونه ورد بعد النهي ، ولأن الإجماع انعقد عليه ، والمباشرة في قول الجمهور : الجماع ، وقيل : الجماع فما دونه ، وهو مشتق من تلاصق البشرتين ، فيدخل فيه المعانقة والملامسة . وإن قلنا : المراد به هنا الجماع ، لقوله : الرفث ، ولسبب النزول ، فإباحته تتضمن إباحة ما دونه . وَابْتَغُوا ما كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ أي : اطلبوا ، وفي تفسير : ما كتب اللّه ، أقوال . أحدها : أنه الولد ، قاله ابن عباس ، ومجاهد ، وعكرمة ، والحسن ، والضحاك ، والربيع ، والسدي ، والحكم بن عتيبة : لما أبيحت لهم المباشرة أمروا بطلب ما قسم اللّه لهم وأثبته في اللوح المحفوظ من الولد ، وكأنه أبيح لهم ذلك لا لقضاء الشهوة فقط ، لكن لابتغاء ما شرع اللّه النكاح له من التناسل : « تناكحوا تناسلوا فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة » . الثاني : هو محل الوطء أي : ابتغوا المحل المباح الوطء فيه دون ما لم يكتب لكم من المحل المحرم لقوله : فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ « 2 » . الثالث : هو ما أباحه بعد الحظر ، أي : ابتغوا الرخصة والإباحة ، قاله قتادة : وابن زيد . الرابع : وابتغوا ليلة القدر ، قاله معاذ بن جبل ، وروي عن ابن عباس . قال الزمخشري : وهو قريب من بدع التفاسير . الخامس : هو القرآن ، قاله ابن عباس ، والزجاج . أي : ابتغوا ما أبيح لكم وأمرتم به ، ويرجحه قراءة الحسن ، ومعاوية بن قرة : واتبعوا من الاتباع ، ورويت أيضا عن ابن عباس . السادس : هو الأحوال والأوقات التي أبيح لكم المباشرة فيهنّ ، لأن المباشرة تمتنع في زمن الحيض والنفاس والعدة والردّة .
--> ( 1 ) سورة البقرة : 2 / 71 . ( 2 ) سورة البقرة : 2 / 222 .